محمد هادي معرفة
591
التمهيد في علوم القرآن
وخلاصة هذا الكلام وغايته : أنه يستحيل عليهم بإدخال النقص في حلومهم وضلالهم عن الحقّ فيما جاءوا من عبادة هذه الأصنام ، أنّ أذلّ المخلوقات وأحقرها وأضعفها حالة ، وأصغرها حجما ، يقهرها ويسلبها ويأخذ متاعها لا تنتصر منه ، وأدخل من هذا في العجز أنه قادر على سلبهم فلا يمتنعون منه . ثم قال : « ضعف الطالب والمطلوب » فعقّب هذه الآية دلالة على الاستواء في الضعف بالإضافة إلى جلال اللّه تعالى وعظم قدرته ، وأنّ الكلّ من الذباب والأصنام ضعيفة حقيرة ، بل لامتنع أن يكون الذباب أتمّ خلقا لكونه حيوانا قادرا ، والأصنام جمادا لا حراك بها ، ولا شكّ أنّ خلق الحيوان أتمّ من خلق الجماد وأكمل حالة . وحكي عن ابن عباس : أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ، ويضعون على رءوسها العسل ، فيأتي الذباب فيقع على رءوسها من الكوى فلا تنتصر منه ، ثمّ قال : ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ في ادّعاء الشركة بينه وبين الأصنام في استحقاق الإلهية والعبادة ، فجعلها ختاما لما قدّم من حكاية حالهم في نهاية الضعف والعجز . ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على ما اشتملت عليه هذه الآية ، وتحتها من الأسرار واللطافة ، ما لو ذكرناه لسوّدنا أوراقا كثيرة ولم نذكر منه أطرافا . ( النظر الرابع ) في ذكر التمثيل ، اعلم أنّ التمثيل نوع من أنواع البيان . وهو مخالف للتشبيه ، فإنّ التشبيه إنما يكون في المظهر الأداة ، وهذا نوع من الاستعارة ، وهو معدود من أنواع المجاز ، وإنّما قلنا إنه من الاستعارة من جهة أنّ الاستعارة حاصلة فيه ، وإنما تقع التفرقة من جهة أنّ الوجه الجامع إن كان منتزعا من عدّة أمور فهو التمثيل ، وإن كان مأخوذا من أمر واحد فهو الاستعارة .